“أدوار” وراء الغليان الشيعي أم “أجهزة خارجيّة كبيرة”؟

سركيس نعوم
النهار
30072018

عندما بدأت الاحتجاجات الشعبيّة الشيعيّة في العراق أخيراً تساءل مُحلّلون ومُتابعون عرب وأجانب إذا كانت حرّكتها جهات خارجيّة، وذلك رغم اعترافهم بوجود أسباب “شرعيّة وقانونيّة” لها. وتكرّر التساؤل عندما بدأت الساحة الشيعيّة في لبنان تتحرّك، إذ ازدادت الاحتجاجات ونسبة الأعمال غير القانونيّة ولا سيّما في البقاع الشمالي وتحديداً “محافظة بعلبك الهرمل” التي ليس فيها من “المحافظة” إلّا الاسم، كما صارت يوميّة أو شبه يوميّة. ورافقتها احتجاجات على حرمان مزمن وعلى وضع اقتصادي صعب وعلى مُلاحقات قانونيّة بالآلاف ومطالبات بمعالجات سريعة اجتماعيّة واقتصاديّة وانمائيّة وقانونيّة تُنهي الوضع الشاذ فيها. لكنّ التساؤل المذكور كاد أن يتحوّل جواباً بل يقيناً عند أصحابه بعد تطوّرين مُهمّين جدّاً يجب عدم الاستهانة بهما من قبل الدولة أوّلاً، و”الثنائيّة” الشيعيّة أوّلاً أيضاً، كما أوّلاً من قِبل “الشعوب” الطائفيّة والمذهبيّة في البلاد. ذلك أنّها في معظمها تعاني احتقانات داخليّة كبيرة لا يُعبّر عنها علانية إلّا نادراً لأسباب تتعلّق بصراعات وحروب تخوضها داخلاً وخارجاً وقد تتحوّل حروب بقاء. علماً أنّها تحوّلت عند بعض “الشعوب” خلافات علنيّة بل صراعاً سياسيّاً على السلطة و”المبادئ والحقوق” كما يدّعي أصحابها، يُذكّر بالحروب التي اندلعت بين كبار قادتها في الماضي الحديث فدمّرت “الحجر” وقلّصت “الحقوق” وخفّضت المشاركة السياسيّة في السلطة. التطوّر الأوّل كان إقدام الممثّل الجديد لدائرة بعلبك الهرمل في الانتخابات النيابية جميل السيّد بعد فوزه في انتخابات أيّار الماضي على لائحة “الثنائيّة الشيعيّة” التي ضمّته إليها بسبب وضع إقليمي جارٍ مؤيّد له ومُدين له وحليف، على إثارة نعرة تفريقيّة كانت سائدة في لبنان قبل الحروب التي دمّرته بين 1975 و1990، ولا تزال آثارها تحول دون بناء دولة جديّة وعادلة وديموقراطيّة فيه. ومفادها وجود فارق بين شيعة الجنوب وشيعة البقاع. فالأوّلون هادئو الطباع ويحترمون القوانين ولا يحبّون العنف ولا يُمارسونه في صورة عامّة. والآخرون أشدّاء ومقاتلون وذوو طباع حادّة ويخالفون القانون في كل المجالات. طبعاً كان كل من جناحي الشيعة هذَيْن يُعيّر الآخر بما يراه فيه. لكن هذا الأمر على خطورته لم يتسبّب بمشكلة كبيرة لأسباب كثيرة، منها أن “الحرمان” يطاول الجميع. ومنها أن الزعامات الراسخة عند كل منهما تداولت رئاسة مجلس النوّاب مرّات عدّة، الأمر الذي عزّز شعوراً بالمساواة بينهما في أمور عدّة منها الكفاية للمشاركة في السلطة. ومنها الاعتداءات الاسرائيليّة المُتكرّرة على لبنان التي كانت تطاولهما دائماً قبل حرب 1975.

طبعاً قامت “الثنائيّة” بطرفيها “حركة أمل” و”حزب الله” بما يجب للقضاء على هذه النعرة التي لم تعد هناك أسباب فعليّة لاستمرارها أو يقظتها. كما حاول النائب نفسه التراجع عن موقفه بطريقة فيها الكثير من الذكاء المعروف به. وتمّ تطويق المضاعفات بوسائل عدّة منها تذكير الناس أن المقاومة التي شنّها اللبنانيّون ضد الاحتلال الاسرائيلي عبر “أمل” أوّلاً وعبر “الحركة الوطنيّة اللبنانيّة” ثانياً، والتي بدأها “حزب الله” فور تأسيسه عام 1982 ثم امتلك ناصيتها أواخر ثمانينات القرن الماضي، أن هذه المقاومة شارك فيها وعلى قدم المساواة شيعة الجنوب والبقاع، وقادها رؤساء لـ”الحزب” من المنطقتين، ودفع فيها البقاعيّون نحو 45 في المئة من شهدائها، كما دفع الجنوبيّون وغيرهم شهداء كثر جدّاً، والأهم من ذلك أنّها انتصرت بتحرير الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي. كذلك تمّ تطويقها بتذكير الجميع ان الإمام المُغيّب موسى الصدر ذي الأصل اللبناني الجنوبي أعلن تأسيس “أفواج المقاومة اللبنانية” من البقاع بعد نشوب الحرب الأهليّة في لبنان كما غير الأهليّة بوقت قصير. وأن أوّل أمين عام لـ”الحزب” كان من البقاع الشيخ صبحي الطفيلي، وكذلك الثاني السيّد عباس الموسوي الذي استشهد في غارة جويّة اسرائيليّة. أمّا الثالث فكان ولا يزال السيّد حسن نصرالله وهو من الجنوب. وتمّ تطويق المضاعفات أخيراً باتخاذ “أمل” قرارين. الأول “إقامة الذكرى السنوية لتغييب مؤسّسها الإمام الصدر في الحادي والثلاثين من شهر آب المقبل في البقاع، في مهرجان حاشد في المنطقة نفسها التي أعلن رسميّاً وجودها حركة مقاومة بعد اندلاع حروب لبنان عام 1975. والثاني إقامة مهرجان ذكرى تأسيسها في البقاع أيضاً.

أمّا التطوّر المُهمّ الثاني فكان دهم الجيش مجموعة مطلوبة للقضاء بجرائم متنوّعة في قرية “الحموديّة” قرب بريتال، حيث توجد مجموعة مؤيّدة للشيخ الطفيلي المُغرّد خارج سرب “الحزب” من زمان.

هل بعد ذلك كلّه سيستمر المُحلّلون والمُتابعون العرب والأجانب أنفسهم في التساؤل إذا كان “التحرّك” داخل الطائفة الشيعية أسبابه إقليميّة أو دوليّة، وهدفه ضرب الحال الاعتراضيّة المحليّة والإقليميّة التي أطلقتها بواسطة “أمل” أوّلاً ثم “حزب الله”.

رئيس مجلس النواب و”حركة أمل” في الوقت نفسه نبيه برّي ينفي ذلك وبكثير من الجزم. وهو يقول لقريبين منه: “هناك ناس يريدون أدواراً، واتّقِ شرّ من احسنت إليه”، والنفي نفسه سمعه كثيرون من قادة “حزب الله” ونوّابه. لكن ذلك لا يمنع استمرار قطبي “الثنائيّة” في البحث عميقاً للثبت من غياب أي جذور عميقة قد تكون له. علماً أن التساؤل لا يغادر عقول قادة في “الحزب” ويتم التعبير عنه على النحو الآتي: “هل هناك عناصر قليلة في وسطنا لا تزال تُعادي “أمل”؟ وهل هناك جهاز أمني كبير (والمقصود خارجي وغير لبناني) وراء إثارة الفتن والقلاقل؟ وما الهدف من ذلك؟”.

ماذا عن الحرمان الشيعي والإهمال الرسمي للشيعة الذي يبقى لافتة مرفوعة من شيعة لبنان؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*