أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان

الحياة|
25022018

 

من يحدّق طويلاً في مباني بيروت، يلاحظ آثاراً لرصاص، معظمها يعود إلى الحرب الأهلية. وربّما لاندهاشنا بتلك الحرب وذاكرتها، لم نلاحظ آثاراً أخرى لرصاص أحدث عهداً أطلق في يوم مجيد من عام ٢٠٠٨، عندما قرّر «حزب الله» تأديب خصومه السياسيين.

هذه الدلائل عن عنف حاضر باتت خفية، ولم تعد تحتاج إلى قانون عفو لكي تنسى. وهي ليست الآثار الوحيدة لعنف السنوات الأخيرة التي باتت تختفي من الحيز العام. فهناك سياسي قريب من «حزب الله» يقبع في سجن بتهمة التخطيط لعمليات إرهابية. وهناك صور لصحافيين وسياسيين قضوا اغتيالاً وباتوا اليوم في أحسن الأحوال تواريخ لعطل مدرسية. وهناك محكمة دولية الجميع متمسك بنسيانها.

لا يهدف استذكار تلك الحوادث إلى إنعاش نوع من الممانعة المعكوسة، ترفض الاعتراف بالواقع وتتمسك بروايتها ضد أي محاولة لنسيانها. فالمشروع السياسي الذي أعطى تلك الحوادث معناها انهزم وبات الاختفاء التدريجي لآثاره أحد شروط إمكانية العهد الجديد وتاريخه الأسود. فالعهد الجديد لم يأت نتيجة انتخابات أو انقلاب في الرأي العام، بل قام على عنف في الداخل اللبناني وجواره السوري، أدّب أو ما زال يؤدب، من حاول معارضته.

وأن يقوم نظام جديد على العنف، فهذا ليس مستغرباً. فلجميع الأنظمة السياسية، تاريخ أسود قام على شتى أنواع العنف والإقصاء. بيد أن ما يميز الأنظمة القائمة عن تلك الفاشلة هو مدى تطبيع هذا العنف ونجاح عملية إخفاء ضحاياه. هشاشة العهد الجديد لا تنمّ فقط عن تناقضاته الداخلية أو ضعف حاضنته الإقليمية فحسب، بل أيضاً عن عدم استكمال عملية تطبيع عنفه المؤسس. فما زال هناك أفراد يتذكرون لحظة خبر الاغتيال وما زال هناك من يعتبر القتل في سورية جريمة يشارك فيها «حزب الله».

لهؤلاء «البقايا» أداة تأديبية جديدة، أقل عنفاً من العبوات المتفجرة، تدعى الانتخابات النيابية. فأحد أهداف الاستحقاق المقبل هو تطبيع هذا العنف واستكمال عملية إخفاء ما صُنع منه في ظل سيطرة العهد الجديد. وهذا الإخفاء يأخذ شكل استبدال المواجهة مع «حزب الله» بعناوين جديدة مثل محاربة الفساد أو تمثيل الشباب، أو كما جاء على لسان رئيس تيار المستقبل «إعادة الاعتبار لزمن رفيق الحريري».

وقد يكون المثل الأوضح لنجاح عملية التأديب هذه مهرجان 14 شباط (فبراير) الذي أقامه هذا التيار في ذكرى اغتيال رفيق الحريري، وإن كان حدث الاغتيال لم يعد هو الحدث المركزي لهذا التجمع. ففي حضور الوزير سليم جريصاتي، تمت إعادة توزيع أغنية «لا ما خلصت الحكاية». لكن الحكاية انتهت، على رغم رفع صور الشهداء، ربما رفعاً للعتب.

فعلى رغم إصرار سعد الحريري على خلافه مع «حزب الله»، خصص أكثرية خطابه لمهاجمة من اتهمهم بالعزف يومياً على «لحن المزايدة»، أي «المزايدين» الذين كانوا «في عداد الأصدقاء» ولكنهم «أصلاً من يعملون فعلياً عند حزب الله». هكذا، تبين أن الدور الأساسي للمهرجان كان تأديب تلك الأصوات التي رفضت التسوية الرئاسية وإعادة تموضع تيار المستقبل، أي «بقايا 14 آذار».

الصورة التي قدّمها تيار المستقبل كانت بحد ذاتها صورة «المؤدب» الذي يحاول تأديب بعض من «يشنون حرباً على الورق».

بيد أن الدور التأديبي لمهرجان 14 شباط، لم يكن فقط في الهجوم على من اتهم الحريري بالمراهنة على تصيد «فتات الموائد في تيار المستقبل»، بل في قدرته على استيعاب وتجسيد الهزيمة التي منيت بها 14 آذار. فقدّم الحريري صورة الشريك المقبول للعهد الجديد من خلال إعادة تموضعه الإقليمي والداخلي. فمن النأي بالنفس إلى الابتعاد من «الحريق السوري» مروراً بالاحتفاء بالنصر على «داعش»، وضع الحريري نفسه في الامتداد الخارجي للعهد الجديد. أما في الداخل، فلم يجد الحريري غير العودة إلى الوراء، إلى مرحلة ما قبل الاغتيال، أي «زمن رفيق الحريري»، متغاضياً عن ثمن هذا الزمن وأسباب انتهائه. فعلى عكس تيار المستقبل، لسنا جميعنا متحمسين للعودة إلى «زمن رفيق الحريري»، بخاصة عندما يكون مقروناً بـ «زمن حزب الله». البعض يفضل بقايا هذه الأزمنة.

الرد على تأديب الانتخابات لن يكون بالتغاضي عن أهمية الاستقرار أو النأي بالنفس، وخوض معارك وهمية ضد حزب لم تقم سيطرته أصلاً على عدد مقاعده الانتخابية. كما أنّ الرد لا يمكن أن يكون في الهروب نحو مواضيع الفساد بوصفه تأقلماً مع الوضع الجديد. هناك عنوان خفي لهذه الانتخابات، هو تطبيع العنف والقبول به. إنّها أول انتخابات تخاض بعد سيطرة «حزب الله» وحربه في سورية ومرحلة الاغتيالات. سؤال الانتخابات هو امتداد لابتزاز «حزب الله» الأولي: إما الحرب الأهلية أو سلاحه. اليوم، هذا الابتزاز يأخذ شكل الانتخابات كمدخل لتطبيع العنف والقبول به. بعد هذه الانتخابات ومهما كانت النتيجة، سيكون العنف قد بات مشروعاً. ربّما يغدو حينذاك خفياً ويتاح للنظام أن يتطبع.

في وضع كهذا، يبدو أن الخيار الوحيد هو مقاطعة الانتخابات أو الورقة البيضاء، ليس كرفض لمبدأ الانتخابات، ولكن كآخر رفض لابتزاز «حزب الله» وعنفه اللبناني والسوري. هذا ليس بالضرورة خياراً يبنى من حوله مشروع سياسي، بل أهميته تكمن في وجوده كطرح، أي أنه ما زال هناك «آخر» للعهد، وإن كان مُشكّلاً من «بقايا». فقد تكون فئة «البقايا» اليوم أهم من أي مشروع سياسي وهمي يقوم على تطبيع العنف.

أن تكون هناك ورقة بيضاء واحدة في صندوق انتخابي ما في لبنان فذاك موقف سياسي قد يكون أهم اليوم من أي خطاب أو حملة أو حتى خرق انتخابي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*