أخطار التواصل الاجتماعي غير المنتظم والمعقلن


مروان اسكندر
01062018
النهار

وصلتني صورة ما يوازي مقالاً عنوانه شركة “توتال” مصدومة برفض لبنان تلزيم الآبار العشر عنده، واكتفي بهذا القسم من النص الذي جرى تداوله بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

ليس من شك لاي صاحب معرفة بشؤون النفط وتطويرها في ان النص الذي جرى تداوله ما هو سوى هلوسة من شخص أو أكثر يريدون الحاق الضرر بلبنان عبر إشغال الرأي العام بقضايا غير واقعية ومختلقة وتبرهن عن جهل واضعيها أساسًا.

بداية القول ان لدى لبنان عشر آبار من أسخف ما يكون، فالهيئة المشرفة على شؤون النفط بالتعاون مع الوزراء المتعاقبين توصلت مطلع هذه السنة الى تحديد 10 مناطق يمكن التعاقد على كل منها للاستكشاف والتطوير مع شركات عالمية معروفة.

منطقتان جرى التعاقد على تلزيمهما هما المنطقة رقم 4 والمنطقة رقم 9 التي هنالك اشكال حول مطالبة اسرائيل بجزء منها تبلغ مساحته 880 كيلومتراً مربعاً، والشركات الثلاث هي “توتال” – التي تقود المجموعة وقد تقدمت الى الوزير بمشروعها لمباشرة أعمال الحفر والتنقيب هذا الاسبوع – و”ايني” الايطالية، التي حققت اكتشافات ضخمة في المياه الاقليمية المصرية كان وراء اختيار موقع التنقيب عن الغاز فيها مهندس لبناني، والشركة الثالثة روسية ذات خبرات واسعة في مجالات انتاج الغاز وتسويقه.

أي ملم بشؤون النفط، وهنالك عدد ملحوظ من هؤلاء في لبنان، يدرك ان عمليات التنقيب تستوجب انقضاء سنوات وتجهيز الآبار المكتشفة بعد اكتشافها، للإنتاج ومعالجة سحب ما يرافق انتاج الغاز أو النفط من ترسبات كبريتية…

اسرائيل التي حققت اكتشافات ملحوظة لحقول الغاز منها حقل قريب من المياه الاقليمية اللبنانية، عملت على تحقيق هذه الاكتشافات ومن ثم تطوير انتاجها طوال سبع سنوات، واصبحت تكفي نسبة 60 في المئة من حاجات الطاقة لتوليد الكهرباء من الغاز المنتج في مياهها، وقد عقدت اتفاقات مع الاردن ومصر على تصدير كميات من الغاز الى البلدين من أجل الاسهام في توليد الكهرباء، ومصر ستتمكن من كفاية حاجاتها الذاتية خلال سنتين ومن ثم بدء التصدير من معامل تسييل الغاز التي كانت توفر منذ سنوات الموقع الثالث على المتوسط لتسييل الغاز وتصديره. لكن سياسات، منها تصدير الغاز الى اسرائيل مقابل أثمان بخسة والاسراف في استهلاك الكهرباء، تآكلت الطاقة المصرية على انتاج الغاز وتسييله وواجهت مصر عجزًا كان من اسباب تدهور الوضع الاقتصادي فيها منذ سنتين.

نص الهلوسة عن اكتشاف الغاز وانتاجه، بلغت نسبة الجهل لدى واضعيه مستوى جعلهم يقدرون ان الانتاج من المنطقة رقم 6، وكانت هذه الاشارة الأولى الى منطقة بدل بئر غير موجودة، يمكن ان يتحقق خلال شهرين وحينئذٍ ونظراً الى ضخامة احتياط هذه المنطقة يمكن لبنان ان ينتج 1.5 مليون برميل من النفط يوميًا، وان يحقق ريعًا شهريًا مقداره أربعة مليارات دولار.

بالتأكيد لا يستطيع لبنان أو أي بلد في العالم انتاج النفط أو الغاز من مكامنه قبل اجراء أعمال الاستكشاف، ومن ثم التجهيز بعد التحقق من الاكتشافات وأهميتها، وبعد ذلك انجاز التجهيزات التي تسمح بنقل المنتج سواء من الغاز أو النفط الى سطح الارض للمعالجة وتأمين صلاحية المنتج للاستهلاك، وهذه العملية، باستثناء انتاج الغاز من المكامن الصخرية في الولايات المتحدة، تستوجب ستاً الى سبع سنوات.

الحديث عن توافر مخزون من النفط يسمح بإنتاج 1.5 مليون برميل يوميًا، أي ما يوازي 75 مليون طن سنويًا، أي ما يساوي 10 أضعاف استهلاك لبنان، يمثل شطحة جنون القصد منها إما الهاء اللبنانيين عن مشاكلهم الحالية وإما تعكير مناخ اتخاذ القرارات في شأن بدء عمليات التنقيب والبحث تمهيدًا للانتاج في حال تحديد المكامن المفترض وجودها. وعلى هؤلاء المهووسين الذين يريدون الحاق الضرر بلبنان وأهله عبر تجييش الرأي العام حول موارد الغاز والنفط، ان يدركوا أبسط المعطيات، ألا وهي ان الدراسات الجيولوجية تبين كميات ملحوظة من الغاز يمكن ان تسهم في حال تطويرها في دعم الاقتصاد اللبناني لـ25-30 سنة، أي في أفضل حال ما بين 2025 و2050، لكن النفط الذي أكد النصّ توافره بالكميات المشار اليها يشكل، حسب الدراسات الجيولوجية التي انجزتها هيئة حكومية أميركية، لا أكثر من نسبة خمسة في المئة من الثروة الباطنية اذا تحققت التقديرات في شأنها، وتالياً فإن الآمال المعلقة على النفط لا يمكن ان تطاول أكثر من نسبة خمسة في المئة من الانتاج الذي بيّنه النص الذي قصد أصحابه التشويش على لبنان والاضرار بأهله.

مقابل الهلوسة الالكترونية، نذكر بان الاتحاد الاوروبي أصدر قانونًا لضبط ايقاع وسائل التواصل الاجتماعي ومحتوياتها، وقد يفرض ضرائب ضخمة على “فايسبوك” ربما فاقت1.4 مليار دولار، كما على “غوغل” التي تسيطر عليها الشركة الصينية “علي بابا” ضرائب اقسى لا تزال المحاكم تنظر فيها.

نتحول من عالم التمثيل والتشويش الى عالم الحقيقة وما يجب ان نعيه. لقد تولّت شركة أميركية – اسرائيلية – من مساهميها الصحافي الاوسترالي الفضائي موردوك – التنقيب عن النفط في هضبة الجولان، وحسب النتائج الاولية حققت الشركة اكتشافات تجعل من الجولان منطقة غنية بالنفط. وهذه المعطيات تدفع اللبنانيين والعالم العربي الى التفكير العميق في المستقبل، فإسرائيل أعلنت ضم الجولان الى اراضيها عام 1981 ولم تحظ بموافقة دولية على ذلك، ومثال القدس أخيراً يبعث على التفكير في أن اسرائيل تجاوزت اعتبارات القوة العسكرية، لتصبح دولة ذات أهمية على صعيد المعطيات الطبيعية، سواء الغاز في البحر، أم النفط في الجولان، اضافة الى تحقيقها خطوات جذرية في التمكن من التكنولوجيات الرقمية والتحسسية. وعلماء الماء يؤكدون ان هضبة الجولان تحتوي على أكبر خزان للمياه العذبة في الشرق الاوسط.

السؤال اين نقف نحن في لبنان مما يجري حولنا وكيف لنا الاستعداد للمستقبل، والحكم الذي وُلّي مسؤولية قيادة البلد لم يحصل حتى على 30 في المئة من اصوات السكان، فهل نضيع الفرص سنة بعد أخرى، أم نتعقل ونلتزم الرؤية ونعالج الفرص المتاحة بموضوعية وعلمية؟ الله أعلم!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*