أحفاد يصدّرون القمامة!

راجح الخوري
3 شباط 2018

في الميلاد كنت في لوس ألتو [سيليكون فالي]، قالت لي ابنتي نادين، التي نشأت على شاطئ جونية، أجمل خليج في العالم على ما قرر الله أصلاً، غداً سنذهب الى كارميل الرائعة، فحسبت ان كارميل لؤلؤة البحر، وكانت الطريق من سان جوزيه الى كارميل في محاذاة مونيريه ممتعة تماماً.

في كارميل دخلنا هضبة باسقة الشجر تنتصب فوق البحر، لكنها تحترم فقش الموج فتبقى بعيدة، منازل وسط أكمات من الشربين المعمر مئات الأعوام، فهناك لا يعرفون النارجيلة لا المعسّل ولا المدبّس ولا “نارة يا ولد”، هضبة تحترم الشاطئ تبقى بعيدة لئلا تزعج البحر وهو يكتب القصائد على الرمال.

على المدخل الى الشاطئ أوقفنا حاجز ألقى التحية، كنا خمسة في السيارة، ناوله صهري بيار خمسين دولاراً، فتح لنا المدخل وسألت لماذا دفعت المبلغ، قال لكي يتسنى لنا الوصول الى رمل الشاطئ، والأموال التي تجبى تخصص للإهتمام بالسهر على المنطقة.

كانت كارميل حلماً حيث يختلط المتنزهون مع طيور البحر [ولا صياد لبناني]، وكانت الرمال شفاهاً تداعبها المياه، وكانت مدينة مستطيلة تغص بآلاف المشاة لا سيارات ولا زعيق، مسيرة حالمة وسط شارع تراثي من المطاعم الصغيرة والمقاعد الخشبية!

كانت كارميل محطة بديعة في رحلة ممتعة، لكنك يا كارميل ربما تموتين قهراً لو عرفت كيف رسم الله خليج جونية، او شاطئ الهري، أو ذلك الإمتداد الرملي في الجية، أو أنين الموج الناعس في شاطئ البيّاضة وصور.

وهكذا كان لا بد من ان تتحوّل الرحلة الرائعة الى كارميل في سان فرنسيسكو، مرارة عميقة في طريق العودة، وأنا في الصمت أتذكر كيف جعلنا من لبنان مزبلة المتوسط، وكيف وصلت قذارات النايلون من عندنا الى شواطئ تركيا ذات يوم، نحن أحفاد الذين صدّروا الحرف نصدّر القمامة !

ولكن الحق كل الحق على بلدية بيت شباب وعلى نهر الكلب، ولهذا ها هي الدولة الساهرة تقاضي تلك البلدية، وتدرس الآن كيف يمكنها مثلاً ان تسوق نهر الكلب مخفوراً الى سجن رومية، بعد الكارثة التي حلّت بشاطئ ضبية عندما اجتاح تسونامي النفايات منطقة نهر الكلب.

المسخرة أنهم يتحدثون عن لجنة تحقيق ولكن من يحقق مع من، وقد نسينا ان لدينا من الناقورة الى النهر الكبير شاطئاً من القذارات التي نلقيها في البحر دائماً، فصنعنا مزبلة الكرنتينا وبرج حمود والكوستا برافا [أو برافو]، وهذه قمة المسؤولية وقمة السهر على البيئة في بلد صار مزبلة المتوسط.

لكن الشواطئ تماماً مثل الأبناء يمكن ان يكون لها أهل يسهرون عليها ويمكن ان تكون ميتّمة، وفي كارميل بكينا على خليج جونية!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*