أحجامهم أكبر من البلد

 

        غسان حجار
        النهار
        • 17072018

    يقولون إنّها معركة أحجام، تتعلّق بالاستحقاق الرئاسي المقبل بعد 4 سنوات. البعض يريد أن يكبّر حجمه، ويصغّر حجم الآخرين. والبعض الآخر يسعى إلى تحجيم البعض الأوّل ولجم حراكه من اليوم تمهيداً للمعركة الرئاسيّة التي انطلقت باكراً هذه المرّة، قبل انقضاء سنتين من عهد الرئيس ميشال عون. الطامحون والطامعون بوراثته كُثُر. أهل بيته هم الأوّلون. والقائمة تطول. تضم كثيرين ولا تضم أحداً. لأن المسار الرئاسي غالباً ما يتجاوز حسابات هؤلاء وأولئك. تدخل عليه عوامل خارجيّة وإقليميّة، تضاف إلى المحليّة، لتخرج الرئاسة من عنق الزجاجة. مرّة يُقرّر الأميركيّون والفرنسيّون، ومرّة الإسرائيليّون، ومرّات السوريّون، وبغطاء سعودي – مصري، أو تباعد وصراع.

    يقول أحد القريبين من رئيس الجمهوريّة إن الأخير لا يمكنه الانطلاق بعدّة قديمة رثّة. لا يمكنه بلوغ القمر بسيارة من طراز العام 1960، خصوصاً أن شركاءه في الحكم أكثرهم تلطّخت أيديهم بالدماء في الحرب. هكذا يرمي الرئيس “القوي” باللّائمة على الآخرين لتبرير عدم انطلاق مسيرة الإصلاح والتغيير. حتى الاسم تبدّل. التكتّل خلع رداء الإصلاح والتغيير. صار “لبنان القوي”. وتقابله “الجمهوريّة القويّة”. صراع لغوي – سياسي – فكري من الماضي والى المستقبل.

    الجنرال عون لم يتجاوز الماضي في صراعه مع “القوّات”. يريد إلغاء “القوّات” وتحجيم الاشتراكي واستيعاب الكتائب. الحلفاء من غير الفريق السيادي أقرب إلى الواقع الجديد المستجد. مع “المستقبل” تسوية ضروريّة لبلوغ الرئاسة، بدأت اليوم الندوب تتسلّل إليها. التفاهم مع “حزب الله” تفرضه ظروف المنطقة، واستقواء المحور السوري – الإيراني – الحزب إلهي، وقد شابته عوائق ومطبّات في زمن الانتخابات، ومع التبدّل الجزئي الحاصل في سياسة يجب أن تتبدّل من الموقع الرئاسي.

    يعيش البلد حاليّاً معركة أحجام، الرئيس وفريقه وتيّاره يريدون لجم “القوّات” بعد “المردة” والكتائب، وكلّهم يحاربون المستقلّين المرشّحين المحتملين إلى الرئاسة. والعلاقة مع الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط لم تسوَّ يوماً. توزير النائب طلال ارسلان رسالة إلى المختارة. الرئيس الحريري تقلّص حجمه منذ أزمته في السعوديّة، ومع استمرار أزمته الماليّة، وأيضاً التنظيميّة والانتخابيّة. لذا كان التحالف معه أسهل. ولا مانع من تعويمه للضرورات “الوطنيّة”. احتاط وأهل طائفته للأمر، فعقد رؤساء حكومات سابقون اجتماعاً لحماية الموقع. يتظلل حاليا الغطاء السُنّي الذي “وفّره “دولة الرؤساء”.

    عبارة الرئيس القوي تحاول أن تُعيد رسم الأحجام والأدوار. صراع خفي، ومحاولة استعادة لدور رئاسي اتّفق المسلمون جميعاً على تقليصه منذ ما قبل الطائف بعدما حاول رؤساء موارنة التلاعب بمصيرهم، وكان الإخراج في الطائف بغطاء سوري – إيراني.

    إنها لعبة الأحجام التي تبدو في الصراع القائم، أحجام جماعات وأحزاب وشخصيّات، باتت أكبر من حجم الوطن. لعبة قديمة جديدة تتلاعب بالبلد لتحقيق مآرب “وطنيّة” في الظاهر، وشخصيّة مصلحيّة في الواقع وكلّهم ينظرون الى أنفسهم بمرآة مكبّرة للأحجام، وينظرون إلى البلد الصغير في مساحته بصغر لامتناهٍ يسمح لهم بالتلاعب بمصيره، وإفراغ رئاسته، وتأخير حكوماته، وإقفال مجلسه، وتعطيل قضائه. ثم يتحدّثون عن عقد في ولادة الحكومة لا يمكن أن تستوي إلّا إذا اعتبروا أن البلد ومصلحته أكبر منهم ومن مصالحهم.

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *