أحاديث مع صائب بك وعنه …

سليم نصّار
نهارمن الأرشيف
19122018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه سليم نصّار في “النهار” بتاريخ 29 كانون الثاني 2000، حمل عنوان “أحاديث مع صائب بك وعنه …”.

مطلع العشرينات واجه الانتداب الفرنسي في لبنان الكبير وسوريا، حركة معارضة واسعة جوبه زعماؤها بعقاب النفي الى اماكن نائية من الجمهورية. واختيرت بلدة “دوما” الواقعة في اعالي جرود البترون لتكون المنفى لشلة من المتهمين بالتحريض ضد الانتداب، ظهر في طليعتهم سليم (أبو علي) سلام، وسعد الله الجابري وعمر بيهم. ويبدو ان السلطات الفرنسية اختارت هذه البلدة المسيحية النائية لكي تشعر المبعدين المسلمين القادمين من بيروت ودمشق وحلب، بعذاب النفي وسط أناس غرباء عن طائفتهم. خصوصاً وان بلوغها بواسطة عربات الخيل كان يستغرق يومين من مشقة السفر فوق طرقات ترابية غير معبدة. وصل ابو علي سلام الى دوما مع ثلاثين شخصية سياسية ليكتشف عكس ما اراده الفرنسيون، ذلك ان رئيس البلدية في حينه سليم بك بشير، طلب من وجهاء البلدة اخلاء منازلهم لايواء المنفيين والاستعاضة عنها بخيام نصبت بين اشجار الصنوبر. وبما ان هذه العملية بدأت خلال فصل الصيف، فقد كان الجو ملائماً للترحيب بالضيوف الذين لاقوا كل حفاوة واهتمام الى حد ان وجبات الطعام كانت تعدّ لهم يومياً ونشأت خلال عام من الابعاد علاقة ودّ وصداقة بين الاهلين والمنفيين تُرجمت نتائجها على نحو مخالف لرغبة السلطات الفرنسية، ولعل اجواءالالفة بينهم استطاعت ان تحدث انقلاباً في التفكير بحيث تحولت غالبية اهل دوما نحو الخط العروبي، بينما تبدلت صورة المسيحي لدى زعماء المسلمين من رواد حركة معارضة الانتداب. وكان من الطبيعي ان يتأثر الفتى اليافع صائب سلام بمناخ التعايش والالفة لدى زياراته المتكررة لوالده في “دوما” والمكوث مع العائلة طوال فصل الصيف، من هنا وصفه لاي دوماني يلقاه بأنه “من الاهل”، نظراً للمعاملة الطيبة التي عومل بها اهله. وفي رحاب ذلك المجتمع الريفي المتآخي انطبعت في ذهن الشاب البيروتي صور جديدة لم تلبث ان تحولت الى شعارات تميز موسوعة عمله السياسي، مثل: لبنان واحد لا لبنانان … التفهم والتفاهم … لا غالب ولا مغلوب … المقاطعة منبت للحقد والاقتتال. وفي بلدة دوما أيضاً اكتشف صائب سلام حبه الاول الذي لازمه مدة تزيد على العشر سنوات. ولم يبرأ منه الا عندما التقى زوجته تميمة مردم بك، وربما ترجع علاقته الحميمة بآل فرنجية الى عهد الصبا يوم وقع في غرام ليلى هنديلي التي كانت تصطاف في دوما مع ذويها. وليلى هي الشقيقة الكبرى للمرحومة ايريس سليمان فرنجيه. وقد تمثل هذه العلاقة العاطفية المبكرة الخيط الخفي الذي نسج ثوب الصداقة بين المصيطبة وزغرتا. هو ثوب فضفاض ألبسه صائب لمرشحه الاول لرئاسة الجمهورية حميد فرنجية. ولما طوى المرض صفحة حميد، عاد وفتح صفحة اخرى مع شقيقه سليمان فرنجية. ورغم الزوابع السياسية المفتعلة التي اطلقت في مناسبات كثيرة لزلزلة دعائم تلك الصداقة. فان الرئيسين تمكنا دائماً من تجاوزها، ان كان داخل الحكم ام خارجه. ويشهد السفير فاروق ابي اللمع على آخر لقاء طويل بينهما في باريس خريف 1986 يوم طار صائب بك من جنيف ليلتقي صديق العمر ويتبادل معه احاديث الذكريات الحلوة. واغنى مشاعر الحنين الى الماضي وجود الرئيس تقي الدين الصلح الذي ايقظ بموسوعته التاريخية الحكايات السياسية المنقرضة انقراض آخر طربوش كان يعتمره. في ذلك اللقاء اخرج الرئيس صائب سلام من مخزن الذاكرة تفاصيل الفصل الاخير من ثورة 1958 عندما قام الاسطول الاميركي السادس بتنفيذ عملية انزال “المارينز” في منطقة الاوزاعي. وأحدثت تلك الحملة العسكرية تأثيراً مدوياً بين السياسيين والمثقفين المعارضين الذين كانوا يتوقعون هرب الرئيس كميل شمعون وانهاء هيمنته على مقاليد السلطة. وكان اكثر المفجوعين باجهاض الثورة البروفسور وليد الخالدي، المتزوج “رشا” الابنة الصغرى لسليم ابو علي سلام. ذلك انه رفض التقيد بقرار وقف القتال، ولجأ الى خندق محفور قرب المصيطبة ليعرب عن خيبة امله بالذين راهن على حسن قيادتهم. وتولى علي المملوك وسهيل شماس وعاصم سلام مهمة البحث عنه، واقناعه بأن المعركة الديبلوماسية تحتاج الى ارشاداته وتوجيهاته اكثر من المعركة العسكرية. وانضم الرئيسان عبدالله اليافي وحسين العويني الى فريق الساخطين الذين احتجوا على التفاوض مع الموفد الاميركي روبرت مورفي. ولما وصل مبعوث ايزنهاور الى دار سلام في المصيطبة يرافقه السفير روبرت ماكلنتوك، استقبلتهما وجوه عابسة متجهمة كأن الحضور فرض على اصحابها فرضاً، وشعر مورفي بأنه من الحكمة فتح الحوار عن طريق انتقاد السياسة الاميركية، والاعتذار من زعماء المعارضة. قال ان الرئيس الاندونيسي سوكارنو قام بزيارة رسمية للولايات المتحدة. واستوضح الرئيس ايزنهاور عن برنامجه فاذا به يكتشف ان الضيف حرص على زيارة هوليوود بهدف التعرف الى ساحرته الفاتنة مارلين مونرو. وجرى الاعداد لهذه الزيارة بكثير من الاهتمام نظراً لما لاندونيسيا من اهمية استراتيجية في أسيا. وبما ان ثقافة مارلين الجغرافية محدودة، فقد زودتها الخارجية بكل المعلومات المطلوبة عن الضيف وبلاده. ولما وصل سوكارنو الى هوليوود توجه مع الوفد المرافق الى الاستوديو حيث كانت مارلين تستعد لتصوير لقطة من فيلم “الامير” مع لورانس اوليفييه. وتقدم سوكارنو ليصافحها ويحدثها عن اعجابه بجمالها الخارق، ويعترف لها بأن مكتبته الخاصة تحوي كل اشرطة افلامها، وكل ما نشر عنها في الصحف. وسرت مونرو لسماع كلمات الاطراء، وقالت له بغنج: شكراً يا حضرة الرئيس، كم كنت اتمنى زيارة بلادكم الهند. وصعق سوكارنو لدى سماعه تعليقاً لم يكن يتوقعه، واجابها بانفعال: ولكنني لست رئيساً للهند. انا رئيس اندونيسيا. وبدلاً من ان تعتذر مارلين، اكملت في شططها، وعادت لتسأل في استغراب: وهل في العالم دولة تدعى اندونيسيا؟ وضحك زعماء ثورة 1958 على غباء الممثلة الجميلة. ولكن مورفي استغل عملية كسر الصمت ليؤكد امام الحضور ان سياسة بلاده الخارجية لا تختلف كثيراً عن جهل مارلين، اي ان اداءها السيئ كثيراً ما يتعارض مع نياتها الحسنة. ثم برر وجوده في بيروت بالقول انه سيعمل على تصحيح الانطباع الخاطئ الذي احدثه ظهور الاسطول السادس، وليبحث مع المعارضة عن افضل السبل للخروج من حال الاقتتال. وفي تلك الجلسة مهد مورفي لانتخاب الرئيس فؤاد شهاب كحل مرضٍ لجميع الافرقاء. ومع تشعب الحديث والانتقال من مراجعة اسباب الثورة اللبنانية الى مراجعة اعمال الثورة الفلسطينية، اعترف صائب بك بأنه كان اول من صحح الصورة الخاطئة التي رُسمت عن ياسر عرفات في مصر. وحدث اثناء زيارته للرئيس جمال عبد الناصر ان تمنى عليه استقبال ابو عمار، لأن مهمته الوطنية تحتاج الى التشجيع والاحتضان، ووجد لدى الرئيس المصري الكثير من الشكوك حول دوافع هذه الثورة التي يقودها مهندس كان ينتمي الى حركة الاخوان المسلمين، ويعتمد في نضاله على دولة تعتبر دورها في استرجاع فلسطين منافساً لدور بلاده. وبعد محاولات متكررة قال انه نجح في محو الصورة المشوهة عن عرفات بحيث حظي بعد ذلك باستقبال مهد له أيضاً محمد حسنين هيكل. ثم عدد الاخطاء التي اقترفها عرفات داخلياً وخارجياً، ان كان من حيث تعامله مع “الحركة الوطنية” التي فصلته عن الجمهور … ام من حيث تجاهله لردود فعل اسرائيل التي تعقبته بالقنابل الى الفاكهاني وملاجئ المخيمات. وهنا توقف الرئيس سلام عن ملاحقة شريط الذكريات ليضع علامة استفهام حول المهمات الصعبة التي تطوع لتنفيذها، بدءاً من محاولة اقناع بشارة الخوري بالاستقالة عام 1952 … وانتهاء بمحاولة اقناع عرفات بضرورة مغادرة بيروت قبل ان يهدمها شارون أثناء البحث عن مخبئه. وفي جعبة القرن العشرين وما حملت من حكايات طريفة لشخصيات مميزة، وصف سلام خروتشيف بأنه من اظرفها وأكثرها إثارة للجدل. ولقد التقاه في حفلة اقامها أمين عام الامم المتحدة همرشولد، على شرف رؤساء الوفود المشاركة في الدورة الخامسة عشرة لعام 1960، ولما دعي الزعماء الى المائدة، تأبط خروتشيف ذراع صائب سلام وقال له عبر المترجم : انا وانت من البروليتاريا. وكان يقصد بأنهما كانا في مستوى رؤساء الحكومات وليس في مستوى رؤساء الدول. وحدث اثناء تناول الطعام ان سأل الزعيم السوفياتي رئيس وزراء لبنان عن دبس لزج يصنع من عصارة فاكهة غريبة الشكل، ثم رسم له على ورقة صورة “قرن خرنوب”. وقال ان والده كان يحمل هذا الدبس من تركيا، وينصح بتناوله لأنه مفيد للمعدة. ووعده سلام بتزويده – عبر سفيره في بيروت – بصفيحة من دبس الخرنوب. واختار له من افضل معاصر “اقليم الخروب”، كمية كبيرة ارسلها بواسطة سفارة الاتحاد السوفياتي. وبعد فترة قصيرة اعاد خروتشيف الصفيحة ذاتها ملآنة بالكافيار الفاخر. ويصف سلام شخصية خروتشيف بأنها مرحة، شرقية المزاج، جبلية السلوك، ظريفة المعشر، بعيدة عن الكوابح الاجتماعية المقيدة لابناء المدن الكبرى. وعندما ضرب بحذائه على الطاولة في قاعة الجمعية العامة، انما كان يعبّر عن احتجاجه على هيمنة الدول الغربية وتسلطها على المنظمة الدولية. هذه عيّنه من حكايات طريفة رواها الرئيس صائب سلام في احدى جلساته في باريس. وهي تختصر جزءاً من دوره كزعيم سياسي وضع دائماً نصب عينيه هدف تكبير لبنان، وصيانة وحدته الوطنية، ورعاية الشراكة التاريخية التي ثبتها ميثاق 1943. وفي سعيه الى محاكاة والده في مواقفه الوطنية، ظهر صائب بك كأنه مسؤول عن احياء ارث بدأ مع مطلع هذا القرن، وانتهى بانتهائه. ولقد عبّر عن رفضه لحرب 1975 باصدار قرار التوقف عن العمل السياسي لأن الازمة كانت اكبر بكثير من المكلفين بمعالجتها. وكان يقول ان اللبنانيين في المنافي يحاولون ان يلعبوا ادواراً اكبر من وطنهم المتآكل. وهذا مخالف لمنطق التاريخ. لأن الزعيم العظيم لا ينمو الا في ظل دولة عظيمة وقضية عظيمة. ولأن ظروف التحدي هي التي اثبتت في لبنان جيلاً قادراً على صنع الاحداث، بخلاف الجيل الجديد الذي افرزته الاحداث، فان الامل بالانقاذ لم يعد متوافراً. وصائب سلام – مثله مثل صانعي الاحداث – ينقسم المواطن حول سيرة حياته الى فريقين: واحد يحبه والآخر يعارضه، ولكن امثاله لا تمكن معاملاتهم باهمال او تجاهل. والشاهد على ذلك ان الذين كانوا يعارضون مواقفه، التقوا مع محبيه في تمجيد اعمال وامتداح اسلوبه. والمؤكد ان استعانة بسيرة حياته لم تكن أكثر من انتقاذ لاذع لسيرة الاحياء الذين صغر لبنان بحكمهم واحكامهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*