أتاتورك وعثمان يقهقهان!

راجح خوري
النهار
11072018

إثنان في قبريهما غرقا في الضحك، وهما يستمعان أمس الى رجب طيب أردوغان يقسم اليمين الدستورية، ليبدأ ولاية رئاسية بصلاحيات سلطانية مطلقة، الأول هو مؤسس الجمهورية الأولى مصطفى كمال “أتاتورك” وتعني والد الشعب التركي، والثاني هو أبو الملوك عثمان بن أرطغرل مؤسس السلطنة العثمانية!

الأول قهقه ضاحكاً عندما تعهّد أردوغان الحفاظ على المبادئ العلمانية لتركيا الحديثة، التي أرساها أتاتورك بعد انهيار الدولة العثمانية، لأن”علمانية” أردوغان كانت قد تجلّت عندما أمر بهدم “مركز أتاتورك الثقافي” في ميدان تقسيم وبنى فوق أنقاضه “المركز الإسلامي”.

والثاني قهقه لأن أردوغان يتصرف بما لم تصل إليه عنجهية الباب العالي في زمانه الأرطغرلي، وحتى في زمان إبنه السلطان سليم من بعده، وكلاهما لم يسكن قصراً من ألف غرفة، وضخامة المكان دليل على انتفاخ الأنا السلطانية في الذات البشرية!

عشية الإنتخابات التي نقلت تركيا الى الحكم الرئاسي المطلق، تحدث أردوغان الى محطة “تي إر تي” مصوراً نفسه بأنه منقذ الشعب التركي، وأخذه الغرور الى درجة القول إنه يعتبر نفسه من أكثر السياسيين حنكة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ولعل آخر دلائل حنكته وإنقاذه للشعب التركي، إقالته يوم الأحد أكثر من ١٨٦٣٢ شخصاً من الشرطة والقوات المسلحة ووزارتي العدل والتعليم، بموجب مرسوم قيل أنه الأخير الصادر في ظل حال الطوارئ، التي أعلنت غداة الإنقلاب الفاشل في تموز من عام ٢٠١٦، كما أقفلت ١٢ مؤسسة وثلاث صحف وقناة تلفزيونية. ولكن ما حاجة أردوغان الى حال الطوارئ وقد صار السلطان الجديد القابض على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية والثقافية، وإذا كان قد اعتقل عشرات الآلاف وطرد عشرات الآلاف أيضاً، قبل ان يتربع على عرش النظام الرئاسي، فكيف سيكون الحال الآن، خصوصاً ان نصف الشعب التركي يعارضه، كما يعارض قيام الجمهورية الثانية الأرطغرلية العثمانية على أنقاض الجمهورية الاولى الأتاتوركية، التي يعكف على هدمها؟

وكالة “الأناضول” نقلت عنه قوله “ان تركيا ستنمو أكثر في ظل النظام الرئاسي الجديد الذي سيسمح بتنفيذ كل المشاريع التي يحلم بها الشعب التركي”. لكن الإقتصاد سيبقى الفخ الكبير الذي سيقع فيه أردوغان، خصوصاً ان الليرة التركية فقدت ٢٠٪ من قيمتها في عام واحد، وستنخفض أكثر بسببت تراجع الاحتياط من العملات الأجنبية، والحاجة الى تسديد ديون بقيمة ١٨٠ مليار دولار السنة المقبلة!

لا معنى لحديث أردوغان عن “مؤامرة إقتصادية تحاك ضد تركيا”، هذه زعبرة، والدليل انه مع وصول “حزب العدالة والتنمية” عام ٢٠٠٢ الى السلطة كان دين تركيا الخارجي ١٢٩ مليار دولار، وفي أيلول الماضي كشفت مستشارية الخزينة التركية ان مجمل الدين الخارجي وصل الى ٤٣٨ مليار دولار، وعلى رغم هذا فإن أردوغان يبلِّع الشعب أنه سيجعل تركيا القوة الإقتصادية العاشرة في العالم!

… وأتاتورك وعثمان بن أرطغرل يقهقهان!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*