آخِرُ شِبْهِ أسطورةٍ في السياسة اللبنانية

رجلٌ، بالنتيجة، ولو وَصَل بقرار إقليمي دولي، إلا أنه وصل بفضل أمرِ واقعِ شعبيّتِه المسيحية إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية. اميل إده صار زعيما بعد الرئاسة وخلالها، كميل شمعون صار زعيما للمسيحيين بعد الرئاسة. فؤاد شهاب الرئيس الأكثر احتراما، نزاهةً وإصلاحيةً، لدى معظم النخب اللبنانية منذ تأسيس الدولة عام 1920 لم يصبح زعيما للمسيحيين في أي يوم مع أنه صاحب المحاولة التحديثية المؤسساتية الكبرى وربما الوحيدة في تاريخ هذه الدولة. ميشال عون، تحبه أو تكرهه، هو الزعيم الوحيد الشعبي الذي أصبح رئيسا بسبب، بالنتيجة، هذه الزعامة الشعبية. أي قبل الرئاسة لا بعدها. تاريخُ وصوله إلى الرئاسة يحتمل الإعجاب بسبب لاعاديته ودراماتيكيته منذ بدأ في الثمانينات من القرن الماضي كظاهرة سياسية إلى العام المنصرم.

شبه الأسطورة العونية كانت تحمل معها احتمالات بعض المجازفة المرغوبة قياسا بتاريخه السابق: أخذ قرارات تنسف أي تسوية فضائحية مثل التمديد تحت أي شعار كان. لكنه فَعَلها ومدّد مثله مثل أي سياسي كبير أو صغير من هؤلاء السياسيين الأقوياء المستهلَكي السمعة الذين يملأون حياتنا. قبل ذلك أظهر بعضُ محيطه ضعفا شديدا حيال الرأسمال الكبير الداخلي والخارجي ودخل في عمليات قيل أن بعضها سبق الاتفاق على الرئاسة أو واكبها وكنا ننتظر من وزيره للطاقة، الذي أؤيد حجته بموضوع كهرباء السفن التركية من حيث ضرورتها لموسم الاصطياف خصوصا وللحركة الاقتصادية عموما أن يعلن لائحة رسمية لأسماء الشركاء والوكلاء اللبنانيين في الشركات الداخلة في هذه العملية. كان ذلك سيكون شفافية فعلية…

الأمر الأهم كنا ننتظر من رئاسة الجمهورية بالذات بيانا توضيحيا جادا للمبررات الاقتصادية لمنحة الخمسة مليارات ونصف مليار دولار المباشرة المذهلة التي منحها حاكم مصرف لبنان لجميع المصارف ، كل مصرف حسب حجمه بنظر مصرف لبنان. لم يأتنا شرحٌ كافٍ وعالي المستوى ورسمي لغاية اللحظة. رئاسة الجمهورية كان يجب أن تشرح للرأي العام هل هي موافقة أم لا؟ ولماذا؟ جاء قرار التمديد للحاكم. هذا يعني أنها موافقة. الذي نريده كرأي عام هو شرح الأسباب وقد يقتنع هذا الرأي العام أنها كانت منحة ضرورية؟؟؟ وليس جائزا أن تظهر المنحة وكأنها الثمن الأكبر الأول للرئاسة.

… الآن التمديد. وأقول التمديد رغم أنني متأكِّد أن القوى الأساسية لا مشكلة لديها بالمطلق في إعادة تكريس معظم نوابها، أما معظم الذين لن يعودوا فسيكون ذلك بسبب قرار هذه القوى عدم إعادتهم. أستثني من ذلك الحالة المسيحية التعددية فعلا واحتمال بدء تعددية جدّية في البيئة السنية لم تُعطَ بعد فرصة التعبير عن نفسها منذ التمديد الأول الذي استفاد منه “تيار المستقبل” أكثر من غيره ولا زال، تليه “القوات اللبنانية”، فيما استفادت منه القوى الشيعية والدرزية من حيث وفّرت عليها هذه المسايرة أيضا كميات من الأموال كان عليها أن تنفقها في أي انتخابات جديدة. لذلك الخسارة الأولى وربما الوحيدة للتمديدات الوقحة المتتالية هي خسارة اقتصادية للبنانيين العاديين…

الرئيس عون تساهل كثيرا مع أسطورته حتى لربما قضى عليها نهائيا إذا استمر بهذه “التسووية” ودون حد أدنى من قرارت محرجة للطبقة السياسية. فهل ستضيف أسطورة الرئيس عون فصلا جديدا من فصول خيبات الأمل وسذاجاتِها(تِنا) المديدة في تاريخ هذه الجمهورية.

في التركيبة الرئيسية لما آلت إليه الطبقة – الطبقات السياسية اللبنانية الحالية هناك ست فئات بارزة من زاوية تركيبتها “الجينية” السياسية:

– واحدة منها وُلِدتْ من نُطفة أمنية طائفية إقليمية ولو أصبحت لاحقا قوة سياسية وشعبية ومالية

– واحدة ثانية وُلِدتْ من نطفة مالية إقليمية ولو أصبحت لاحقا قوة سياسية طائفية وشعبية وأمنية

– واحدة ثالثة وُلِدتْ من نطفة شعبية طائفية ولو أصبحت لاحقاً قوة مالية وسياسية

– اثنتان منها رابعة وخامسة وُلِدَتا من نطفة ميليشياوية طائفية وتحوّلتا، الرابعة شعبية مالية سياسية والخامسة مالية أقل شعبية وهي، بمفارقة السوسيولوجيا اللبنانية العجيبة تنتقل من قوة “بروليتاريا رثة” إلى قوة نخبوية في المدارس والجامعات في إحدى الجماعات الدينية المتعددة الطوائف.

– سادسة نُطفتها تقليدية طائفية قديمة وهي دائما حصيلة تحالف رأس الأريستوقراطية مع أدنى وأوسع فئات السُلّم الاجتماعي في هذه الطائفة ومن هنا طاقتها على التشكيل الميليشياوي وطبعا السياسي المالي.

… وكلها، الستُّ فئات، شعبوية.

ميشال عون مؤسس الفئة الثالثة. كان من ميزات تياره أنه محاولة غير ميليشياوية لتنظيم الطبقة الوسطى المسيحية وفي وسطها الطبقة الوسطى الدولتية. أين أصبحت الآن؟ بالتأكيد قويت كقوة داخل الدولة في زمنٍ، أحد تفسيرات وصولها للرئاسة، هو وعيٌ ما إيجابي إقليمي ودولي بضرورة وقف تدهور وضع المسيحية السياسية في النظام اللبناني.

لم نسمع حتى اللحظة يا فخامة الرئيس مجازفةً واحدة منك ضد الفساد الكبير المستشري؟

ما هو مشروعك الإصلاحي إذن؟ هل هو موجود؟ وكيف يوجد بين هؤلاء الحيتان من داخل وخارج؟

لذلك أنا لم أستخدم تعبير “مجازفة” جزافاً. بل أقصده كوسيلة كانت متوقعة لبعض “الجنون” الإصلاحي. لا نريدك “عاقلا” بهذا الشكل.

أخيرا أروي لك فخامة الرئيس هذه الواقعة من كتاب العالمة والرحّالة والمسؤولة في المخابرات البريطانية الذائعة الصيت غرترود بِل التي ساهمت في ترسيم حدود سوريا والعراق عام 1920. الكتاب هو “سوريا: الصحراء والزرع” تمر غرترود على بعلبك عام 1907 وتلتقي بسيدة مسيحية تنقل عنها قولها أن عدد المسلمين صار كبيرا ومقلقا في المدينة وأن زوجها هاجر إلى أميركا وراء رزقه. تسألها السيدة بِل: لماذا لا تغادرين إلى (جبل) لبنان؟ فتجيبها هناك الناس لا تجد ما تأكل، ولكي أغادر عليّ أن أبيع البيت الذي أسكنه لكني لا أستطيع لأنه مسجّل باسم زوجي المسافر.

بعد أقل من عقدين على هذه الرحلة صار “لبنان الكبير” جوهرة الشرق الأوسط ثم عاد بعد عقود لتجعله الحرب غير صالح للسكن مرةً أخرى.

اليوم المنطقة غير صالحة للسكن ولبنان مزدهر ولكنْ بخليط خطر من المكاسب والأرصدة والتهديدات.

مهمتك على هذا المستوى الرفيع. والاستقرار اليوم ليس صناعة محلية. ولا تعالجه السياسة السياسية. فممّ تخشى؟

jihad.elzein@annahar.com.lb

ل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*