«آخر الرجال في حلب» و«قمر بعبّ الغيم»… حكاية مدينة قمر بعب الغيم

آية الاتاسي
Jan 22, 2018
القدس العربي

 

«قمر بعبّ الغيم» يستوقفك عنوان محاضرة الشاعر فؤاد م. فؤاد في بيروت، فتخالها قصيدة جديدة، ولكن خلافاً لكل توقعاتك ستعثر على «قمر بعب الغيم» في قلب المطبخ الحلبي، فالشاعر كما مدينته حلب، كما حجارتها، كما قدودها، يقرضون الشعر، وإن تحدثوا عن المطبخ.
ولن تقتصر رحلتك مع الشاعر إلى المائدة الحلبية والكبب التي تزيد أنواعها عن الـ59 نوعاً، بل سيأخذك عبر التاريخ عابراً مدينة ضاقت حدود الولاية العثمانية بطموحاتها الواسعة، بعدما حولها طريق الحرير إلى محطة مهمة لالتقاء البضائع والأجناس واللغات.
وفي ما يتعلق باللغات تحديداً سيسهب فؤاد م. فؤاد في شرح تداخلها باللهجة الحلبية، كما في السريانية التي تركت أثرها في الألف الوسطى التي تلفظ مائلة كما في «جيمع» أي «جامع»، أو التركية الذي تظهر من خلال اللاحقة «جي» التي تضاف إلى الاسم لتعطي معنى صاحب المهنة «كعكجي» مثلاً، بدون إغفال التأثير الفارسي كما في «الجنتر حفا»، والفرنسي كما في «جبونة»، والإيطالي كما «الفرتيكة»، بل حتى السنسكريتي كما في «الورس». وأنا أستمع للشاعر يشرح بلهجته الحلبية أصول المفردة الحلبية، لم أستطع أن أمنع نفسي من الشرود، متذكرة عبارات حلبية صارت رمزاً في الثورة السورية، عندما نطق بها أطفال المدينة مثل: «سامحني يوب»، «هلق بشار ليش عم يقتلنا، إحنا اش ساوينا»، الخ. عبارات باللهجة التي اتُهمت بالخشونة، لكن خشونتها تشبه حجارة المدينة الشهباء، يكفي النقر عليها لسماع صوتها الرنان. وكأن للحجارة حنية في حلب، كما للروح عذوبة وقُبل «أبوس روحك»، وللحب وردة تتعلم العطش ويسقيها القلب لا مياه حلب المقطوعة «عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه»، وكما للفستق الحلبي قمر يطقطق على ضوئه ويطرب السهارى، هذا بعض من الشعر الذي يتسلل إلى عبارات أهل حلب وأغانيهم وطعامهم.
وبالعودة إلى محاضرة فؤاد. م. فؤاد الذي بعد أن اصطحبنا في جولة سريعة على خانات حلب والقيسريات والأسواق، وشرح أسرار الحجارة الكلسية لواجهات الأبنية، التي صمدت أكثر من 600 عام رغم سبعة زلازل مدمرة، لكن البراميل المتفجرة التي سقطت مؤخراً على المدينة، هدمت ما لم تستطعه عوامل التاريخ والطبيعة مجتمعة. وختم محاضرته مع صوت المنشد الحلبي أحمد حبوش، وهو يغني:
«إني على جور الزمان صبور»…
ومحال هنا ألا يأخذك صوت المنشد المشروخ إلى الطرب في مدينة حلب، حيث للموسيقى موشح وقد وقامة، كما كتب فؤاد. م. فؤاد في ديوانه «حدث ذات يوم في حلب»:
«لا يحتاج الحلبي إلى تهديد بأم المعارك
ولا إلى براميل متفجرة
نسقط صرعى بقدٍ وموشح»
لكن يبدو أنه في الزمن الأسدي حدث أن سقطت المدينة كما أهلها، صرعى برميل متفجر وقذيفة.

«آخر الرجال في حلب» ولا آخر للحزن

المحاضرة التي أخذتنا إلى حلب الماضي، انتهت عند مشهد دمار المدينة، وتركت الأجوبة مفتوحة عما حدث لسكان المدينة. وربما ليست صدفة أن أشاهد بعد أيام معدودة، وضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي، الفيلم السوري «آخر الرجال في حلب»، وكأن الزمن الذي توقفت عنده المحاضرة جاء الفيلم ليكمله، حيث صور بين عامي 2015-2016 قبل سقوط أحياء حلب الشرقية في قبضة النظام. في ما يشبه التوثيق ليوميات الحصار من خلال متطوعي الدفاع المدني، أو» أصحاب القبعات البيضاء»، ممن اختاروا الانحياز للحياة في معركة مصيرية مع الموت لا يحملون فيها سلاحاً إلا أيديهم العارية التي ينتشلون بها الضحايا من تحت الأنقاض، ولكن كمن يعثر على كنز صغير مخبأ كانوا هم أيضاً يعثرون على ناجين، وهذا وحده كان كفيلاً بمنحهم القدرة على الاستمرار في مقارعة الموت، والتعامل معه «كحدث غير عادي» مهما اعتاده البشر. وتحت شعار (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) يختار القلب القبعة البيضاء لإنقاذ روح بدلاً من السلاح الذي يزهق الروح في زمن تستباح فيه أرواح المدن التي تحتضر وتموت كسكانها. الاستثنائي في الفيلم هو تصويره لشخوصه كبشر عاديين لا كأبطال أسطوريين، أو كإرهابيين كما حاول إعلام النظام إظهارهم، فهم مدنيون حولتهم الحرب وهول المعاناة البشرية إلى منقبين عن الحياة في وسط الخراب والدمار. وقد اختار المخرج فراس فياض شخصيتين محوريتين من «أصحاب القبعات البيضاء» هما محمود وخالد، وتم تصويرهما ما يقارب الـ300 ساعة، اختصرت في ما بعد إلى 100 دقيقة، هي طول مدة عرض الفيلم، أما التصوير فكان يقوم به مصورون غير محترفين تحولوا بمحض المأساة إلى موثقين للجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بحق السكان.

محمود

شاب عازب يعمل مع شقيقه الأصغر أحمد ضمن فريق الخوذ البيضاء… أجمل اللحظات التي يعيشها محمود في الفيلم، هي لقاؤه بالطفل الصغير الذي أنقذه من تحت الأنقاض، حين يزوره مع بقية المتطوعين للاطمئنان عليه. هنا تلتقط الكاميرا بحياء حواراً جانبياً حميمياً يدور بين الطفل ومحمود، بينما الآخرون منشغلون بأحاديث شائكة، وعندما ينهض محمود للذهاب يتمسك الطفل به ويدعوه لفنجان قهوة آخر، وكأنه يخاف إن ذهب مسعفه أن يعود الموت من جديد. حياء الكاميرا في تصوير المشهد يشبه حياء الشاب وهو يروي في ما بعد حرجه من تصويره كبطل، في حين أن ما قام به يمليه واجبه الإنساني والأخلاقي بالدرجة الأولى. أما اللحظة الأصعب بالنسبة لمحمود فهي عندما يصاب شقيقه أحمد على بعد أمتار منه، وهو في مهمة إنقاذ، فتسقط القذيفة التالية في موقع الانفجار الأول، هنا تهتز الكاميرا التي تسقط من يد المصور الذي أصيب أيضاً وتهتز الصورة على الشاشة، ويبدو كل شيء مقلوباً رأساً على عقب في عالم مقلوب، المسعف والمصور والمصاب والشهيد يتساقطون فيه واحداً قرب الآخر، على أرض مزروعة بالألغام وتحت سماء صارت جحيماً يلفظ النار والموت في كل مكان.

خالد

لا تستطيع إلا أن تحب خالد، فهو من صنف البشر الذين يدخلون القلب بلا استئذان…
خالد هو أب لطفلتين بتول وإسراء، وهما محور حياته ومصدر سعادته وقلقه أيضاً،
الفيديو الذي يظهر فيه خالد محتضناً طفلاً رضيعاً، بعد انتشاله حياً من تحت الأنقاض، كان قد جال العالم بدون أن ينتبه أحد لوجه المنقذ، أما اسراء وبتول فنراهما في الفيلم لا تتوقفان عن مشاهدة الفيديو بحثاً عن وجه والدهما. «بابا اشتقت لك متى ستأتي»،»بابا احك معي لا تروح».. تتكرر هذه العبارات كثيراً في محادثة الصغيرتين الهاتفية مع والدهما الغائب في مهمة مستحيلة، مهمة انتشال جثث أطفال في عمر بنتيه، وتجميع أشلاء مبعثرة، وكأن الحياة الناقصة تنتهي بجثث ناقصة لا تكتمل.
حياة… فموت… فحياة…هكذا يقاوم خالد، يخرج لينصب شباك مرمى كرة القدم ويصد الكرة وكأنه يصد الموت، الذي سرق قبل لحظات ثلاثة من زملائه… يغني مع زملائه بين قصف وآخر الموشحات الحلبية، وكأنك لا تستطيع إلا الغناء في حلب وإن أضحت رماداً. يصطحب طفلتيه إلى الحديقة، ليتذكر الطفل المنسي في داخله ويسابقهم الركض والتزحلق، قبل أن يقطع صوت الطائرات أهازيج اللعب، ويقطع طفولته العائدة صوت طفلته الخائفة:
«بابا بدي أرجع على البيت هلأ». حب خالد لبنتيه لا يضاهيه ربما إلا حبه لمدينته حلب، التي يشعر أنه مثل السمك يموت إن هو غادرها. وربما من أجمل مشاهد الفيلم، مشهده وهو يشتري السمك ليضعه في بركة صغيرة في باحة المركز، بركة من حجارة حلب التي تبدو رغم الدمار الذي يحيط بها وكأنها تنشد:
«العب بالمية لعبك يعجبني يا سمك بني» …
صراع خالد الذي يعيشه بين خوفه على بنتيه وخوفه من الابتعاد عن حلب، سيحسمه في النهاية عندما يقول لزميله: «يموتوا هنا أمامي ولا يطلعوا لبرا ويصير معهم شيء وأنا بعيد، عندها سأبكي دما عليهم». وينتهي الفيلم على تلاوات قرآنية وجسد مسجى، تقترب الكاميرا رويداً رويداً، لنكتشف أنه الوجه الذي لم تمل إسراء وبتول من مشاهدته ينقذ «الطفل المعجزة»… إنه وجه «خالد»، الذي أنقذ حيوات الكثيرين تحت الأنقاض، وقد فقد حياته هناك أيضاً. هكذا يفاجئ الواقع السينما، ويتجاوز بقسوته الخيال، بل يتجاوز معنى الفيلم الوثائقي والروائي، ليصبح العين الثالثة التي تنقل الحقيقة بكل قسوتها، وشاهد حق لتاريخ ربما يذكر اسم القاتل ولكن سينسى غالباً اسم القتيل… قد يكون السمك الذي رباه خالد بلا ذاكرة، ولكن هذا الفيلم هو الذاكرة والحكاية السورية بكل مأساتها.

٭ كاتبة سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*